
في زمنٍ يزدحم بالأصوات، تصبح العزلة أشبه بترفٍ نادر. كثيرون يظنونها هروبًا، لكنّها في حقيقتها عودة إلى الذات. العزلة ليست كرهًا للعالم، بل رغبة في سماع الصوت الداخلي الذي يغرق وسط ضجيج الآخرين.
حين يكثر الزيف، تصبح المسافة راحة. وحين تتكرر الخيبات، يصبح الصمت علاجًا لا يُرى. في العزلة، تتقشّر الأقنعة واحدًا تلو الآخر، حتى يبقى الإنسان على طبيعته، بلا تمثيل ولا تبرير. هناك فقط، تتضح الأشياء: من يستحق، ومن لا، ومن كان يستهلكنا دون أن نشعر.
العزلة لا تُشبه الوحدة، فالوحدة مؤلمة لأنها خالية من المعنى، بينما العزلة ممتلئة بالسكينة. هي لحظة تصالح مع النفس، مع الذاكرة، مع ما حدث وما لم يحدث. هي مساحة صغيرة يقول فيها المرء لنفسه: “كفى ضجيجًا، أريد أن أتنفّس.”

ومن يختار العزلة عن وعي، لا يعود كما كان بعدها. يصبح أكثر صفاءً، أقل خوفًا، وأقدر على فهم الناس دون أن يغرق فيهم. لأن في النهاية، أكثر العلاقات صدقًا هي العلاقة التي تربط الإنسان بنفسه.
